وأستوصوا بالنساء خيرا .. النساء شقائق الرجال .. من وصايا رسولنا الامين محمد صل الله عليه وسلم

خصص الله جل جلاله سورة للنساء .. ووفقني سبحانه وتعالي لعمل هذه المدونة لخدمتهن من سن البلوغ حتي ماشاء الله .
تم انشائها يوم الثلاثاء 22 شعبان 1431 هجرية .. الموافق 03 اغسطس 2010 .

مع اطيب تمنيات محمد بدر العبد الفقير لرحمة وعفو الله سبحانه في كل وقت وحين
https://sites.google.com/site/allahmohamedbadr

الخميس، 6 سبتمبر 2012

الحب الأفلاطوني (العذري)



الحب الأفلاطوني (العذري)


أما النوع الآخر من الحب وهو في ضوء طبيعة الحب أو ماهية ذلك الحب. واهم أنواعه: الحب الأفلاطوني(العذري)، الحب الرومانسي، الحب الجنسي، الحب الحقيقي، الحب الكاذب، الحب المذموم، الحب المثالي(الكامل)، الحب الرفاقي، الحب المرضي، حب(storge)، حب(philia)، حب(Eros)، حب(Pragma)، حب(Ludus)، حب(Mania)، حب(Agape)، والحب الأعمى، والحب الأحمق، والحب الفارغ، الحب الدائم.
وهناك أنواع متفرقة أخرى من الحب، وهي: الحب من طرف واحد، الحب من النظرة الأولى، الحب متعدد العلاقات، الحب المثلي، الحب المشروط، الحب الأول.... الخ. ولا يتوقف تنوع هذه الظاهرة العاطفية عند هذه الأنواع من الحب، فهناك حب يأخذ بتلابيب الإنسان وقد يكون عاملا مؤثرا ومحركا للأنواع السابقة من الحب، وهو حب الأشياء غير المحسوسة، مثل: حب الجمال، حب العفة، حب الطاهرة، حب الفضيلة، حب العدل، حب الحرية....الخ. أذن هذه هي بعض من الأنواع التي يمكن لنا أن نراها في حياتنا اليومية ونعيشها ونتعايش معها كل يوم. وفي الحقيقة هناك ما يسمى بالحب المقدس إلى جانب الحب المدنس، والفرق بين الحب المقدس والمدنس هو واحد من الأمثلة الأكثر فعالية في تاريخ الحضارة الغربية، ويلعب دورا كبيرا في تنمية الانسجام الداخلي في علم النفس الفردي.
والآن سنقوم بالتعرف على بعض من أنواع هذا الحب، وهي:

أولاً: الحب الأفلاطوني(العذري) Platonic love


كثيرا ما تصادفنا الكثير من الأسئلة في حياتنا وضمن علاقتنا مع الآخرين حول الحب الأفلاطوني، ومن تلك الأسئلة، ما يأتي:
ما هو الحب الأفلاطوني ؟ وهل يمكن أن يحب شخصاً امرأة بدون أي شعور برغبة جنسية اتجاهها ؟ وهل فعلا الحب الأفلاطوني خالي من المشاعر الجنسية ؟
الحب كما أشرنا سابقا يتجلى بأنواع مختلفة ومتعددة في ضوء تجليات ثقافتنا وحضاراتنا الإنسانية. فهناك، الحب الرومانسي، والحب الأفلاطوني، والحب الشهوي الجسدي، وغيرها من التعبيرات والمصطلحات التي تم الاتفاق عليها في ضوء اختلاف تلك الثقافات والمجتمعات. فالناس يتصورون الحب بطرق عديدة ومختلفة. وذلك بسبب اختلاف وتغير وجهات نظرهم وأفكارهم وتوجهاتهم القيمية والحضارية نحو الحب وأهميته على مستوى حياة الفرد أو المجتمع. لذا فان وجود الحب بأشكال متعددة ومتنوعة هو سمة عالمية، فقد أسهم الحب في تطور كل من الفنون الإبداعية والآداب، كما أنها أسهمت في تطوره أيضاً، فهي جميعها ترتكز على الحب بأنواعه الرومانسي أو الأفلاطوني أو حب المتعة الجسدية.
والحب هو النعمة التي تتوج بها الإنسانية ومن لحظة نشوئها، وهو في حقيقته شوق وتعطش إلى استرجاع السعادة المفقودة، والعودة إلى الأصل الأول للوجود الإنساني كما صورته الثقافة اليونانية القديمة، وذلك وفقا لأسطورةAristophanes والتي تشير إلى التفسير المبهج لأصل وطبيعة الحب الإنساني، فان مصدر إحساسنا في حب الآخر هو رغبتنا في العودة إلى أوصلنا التي خلقنا منها، حينما كان البشر ثلاثة أنواع، وهي: جنس أنثى وجنس ذكر وجنس خنثى، والتي فصلتها الآلهة إلى أجزاء. فالحب هو رغبة وحنين إلى الطبيعة الأولى لهذا الكائن، وهي العودة من جديدة للاندماج أو الاتحاد بين تلك الأجزاء المنفصلة. فالحب هو دعوة للعودة إلى الكمال.
والحب لدى اليونانيين القدماء وفق درجات، أدناها الحب الجسدي الذي يتيح للإنسان شيئا من الخلود عن طريق ذريته، وبذلك يخلد وجوده الفاني. ثم يأتي الحب الروحي وفيه يعشق المحب ذات المحبوب. وهو ارفع من حب الجسد وأكثر خلودا والذي تسوده خصال الفضيلة والحكمة وفوق هذا الحب بدرجات يأتي الحب الأفلاطوني المثالي. الذي يرقى فيه العقل فوق العالم الحسي ويرتفع من عالم الروح المقيدة بالأشخاص والناس إلى عالم الجمال المطلق أو عالم المثال. وهو غاية الغايات، وهو الغاية التي ليس وراءها غاية أخرى.
ولكن ما هو الحب الأفلاطوني؟
أفلاطون في حلقته الدراسية(الندوة)، حيث ينغمس وبشكل فلسفي في مفهومِ(Eros) أَو حب الجنسي، فأنه يُوضح جوهر فكرته عن العلاقة الأفلاطونية التي تنشأ بين شخصين. هذا الشكل من الحب طبقاً لأفلاطون هو الشكل المثالي للحب وهو حب عقل وفكر الشخص(المحبوب) وليس حب جسده. فعندما تتشكل صداقة مع شخص من ذات الجنس، وهذا ما كان شائعاً في عهد أفلاطون، في حين الآن تقوم العلاقة مع الجنس الآخر(الأنثى)، ولا تكون هناك علاقة جنسية يدعى هذا الحب أو الصداقة أفلاطونياً. والقاموس يشير إلى أن الحب الأفلاطوني يعني "محض، محبة روحية، تعيش بين أشخاص من الجنس الآخر، غير مخلوطة مع الرغبات الجسدية، هو حب يتعلق بالعقل وتفوقه فقط، وهو نوع من الحب الذي كان أفلاطون يدعو له وبحرارة ".
والحب الأفلاطوني، بمعناه الشائع في الوقت الحديث، وهو علاقة من الحب حنونة غير جنسية. وهناك مثال بسيط على العلاقات الأفلاطونية العميقة وغير الجنسية هو الصداقة بين شخصين من الناس ومن جنسين مختلفين أو بين الأقرباء. وفي الوقت نفسه، هذا التفسير هو سوء فهم للطبيعة المثالية للحب الأفلاطوني، والذي في أصله كان ذلك الحب عفيف لكنه عاطفي، وهو لا يقوم على ضبط النفس وعدم الاهتمام بالمثيرات الجنسية، ولكنه يسعى إلى تحويل الطاقة الجنسية إلى قوة روحية، وفتح مساحات شاسعة من المتعة الخالية من الرغبة الجنسية. وكان هذا الحب يعني في شكله الأصلي جلب المُحب إلى الحكمة والفضيلة، والنموذج الأفلاطوني للجمال، فهو الحب الذي يلهم الفضيلة. هذا الحب كان يعتبر هو القوة الأساسية في الكون والمسيرة له. في حين الحب هو قوة الوجود الإنساني. وهو الرغبة في الحصول على الكمال المتجدد. وهو مصدر كل الأشياء الجيدة. وأخيرا هذا الحب هو الرغبة للانجذاب إلى الجمال.
أن محاورة أفلاطون (فيدروسPhaedrus ) والتي كشفت عنها مخطوطة بيزنطية عام 1423، هي المسئولة عن خلق الحب الأفلاطوني. والتي أصبحت نقطة تحول في تاريخ الحب في العالم الغربي الحديث. ومما زاد في ذلك هو محاولة الجمع بين تلك الدعوة الأفلاطونية والمسيحية، حيث تبني المسيحية مفهوم محبة الرب والتي تقوم عليها فكرة الفادي والمُخلص.
لقد تعلمنا من أفلاطون تصور نوع من العلاقة العاطفية دون عاطفة جنسية. هذا النوع من الحب الأفلاطوني ويبدو أنه كان أكثر ما يقوم على الإعجاب بسبب الذكاء أو الفضيلة، بدلا من أن الانجذاب الجسدي أو لغرض إيروسي الخالص. وكان ذلك الحب الأفلاطوني في محاورة أفلاطون بين رجل مسن وطفل جميل أصغر سنا منه. ولكن في العصر الحديث، أن مفهوم الحب الأفلاطوني يأخذ منحى جديد هو الصداقة مع الجنس الآخر. وهذا لم يسمع به قبل القرن الثامن عشر، حيث كانت المشاركة بين الرجل والمرأة قليلة جداً في الأنشطة الاجتماعية. حتى تعليم المرأة كان قليلاً إلى جانب الفصل بين الجنسين هو السائد داخل تلك المجتمعات.
وفي الواقع، فإن الفلاسفة اليونانيين في تلك الأوقات يشيرون إلى أن رغبة الرجل بجمال الصبي يمكن أن يكون أساسا للحب بين شخصين. ومع ذلك، اعتبر توجيه هذه الرغبة نحو المساعي الروحية والفكرية والعاطفية، أنبل من السعي للتعبير عنها من خلال العلاقة الجنسية. ووصفوه بالجنون المقدس، وقسموه إلى أربع أنواع: إلهامي، شاعري، أولي، جنسي. حيث كان هناك أربعة آلهة هي التي تشرف عليهم أو تترأسهم. الأول كان الإلهام وكان الإله هو أبولوApollo، وللثاني الإله ديونيسوسDionysus، وللثالث الإله موسيس Muses، والرابع كان بين إلهين هما أفروديتAphrodite وإيروسEros.
وقد تم التعرف على العديد من سمات وأنواع الحب الشاذ في اليونان القديمة، ففي ذلك المجتمع كان الحب وخاصة بين الذكور هو الشكل الأكثر والأوسع انتشار في المجتمع، هو علاقات الجنسية المثلية، أي الحب الجنسي بين ذات الجنس. فقد كان بين الرجال البالغين والأولاد المراهقين، والمعروف باللواطةِ pederasty.
وفيديروس Phaedrus، قيل بأنه كان شكل من الجنون (الحب) المقدس، والذي هو هدية من الآلهة، وبأنه التعبير الصحيح الذي تكافأ به الآلهة في ما بعد الموت. ويصف سقراط الحب بأنه مرتبة وسطى بين الخلود والفناء، بين الحكمة والجهل، بين الخير والشر، بين الجمال والقبح. أن نص الحوار الذي كتبه أفلاطون يدور حول سقراط وصبي جميل اسمه(فيدروس Phaedrus) يجلسان تحت شجرة يناقشان ما الشكل الأكثر مثالية للحب ؟ ويستنتجون أن الحب ضروري للجنس البشري، ومحبة خالصة أكثر، يمكن أن توجد فقط بين رجل وصبي. وان الانجذاب لصبي جميل هو السعي النبيل لبلوغ الكمال، وذلك لكون فلسفة أفلاطون هي تمثيل لفكرة الكمال.
أن التعبير المصطلحي (amor platonicus) في اللغة اللاتينية قد صيغ في وقت مبكر من القرن الخامس عشر من قبل العالم الايطالي(Florentine Marsilio Ficino)(1433-1499) وفي مدينة فلورنسا للدلالة على الحب الأفلاطوني وهو مرادف لمصطلح(amor socraticus). ويمكننا تتبع كلمة الحب الأفلاطوني ووفق المعنى الأصلي لهذه الكلمة في حوار أفلاطون في الندوة أو الحلقة الدراسية، التي كان موضوعها حول الحب عموماً، وحول الحب لـ(Eros) بشكل خاص. هناك كانت امرأة تدعى(Diotima) تعرض تلك الأفكار عن الحب وتصفها كوسيلة للصعود إلى التأمل الإلهي. وتعلن عن وجود حب نقي عفيف يهدف إلى إيصال شخصين إلى النموذج الأفلاطوني من حب الحكمة والجمال، والذي يعبر عن الصورة الإلهية بأنقى صورها. هذا النوع من الحب يوجه الأشخاص إلى التفاني في حب الإله. وذلك يبدأ أولاً بتقدير جمال الفرد(الشاب الصغير السن ثم الوصول إلى قمة السلم).
وفي ضوء أفكار أفلاطون التي يطرحها على لسان سقراط والذي يحاضر عن الحب بواسطة امرأة تدعى(Diotima). في نقطة ما توضح بان الحبيب يجب أن يصعد(يرتقي) سلما(Scala Amoris)، لكي يصل إلى الشكل الحقيقي للحب. حيث يتم التسلق خطوة خطوه، فهو تعليم متجه إلى أعلى في حركة صعود السلم. الخطوة الأولى ستكون للمحبوب الذي وقع في حب الحبيب لجماله الطبيعي المتمثل بالشكل أو الجسد. وبذلك يصف صعود السلم من الرغبة الأساسية في الحب لشخص جميل في القاع (أي حب جسد ولد صغير جميل وفاتن)، ففي القاعدة يوجد الحب المبتذل. في الخطو التالية ينتقل إلى محبة جميع الهيئات الجميلة(الأجساد الجميلة ومن ثم إلى كل شيء الجميلة في الوجود) لأن الحبيب يدرك بان الجمال الطبيعي يمكن أن يوجد في أي جسم آخر، ولذا فإننا يمكن أن نحب كل الجمال الطبيعي، (وبشكل آخر هناك شيء مشابه للجمال الطبيعي هو عمل الخير). ثم يصعد إلى حب الروح وهي أكثر ما تشير اليوم إلى العقل، حيث يجد الحبيب درجة اكبر من الجاذبية في روح وعقل وذات المحبوب إلى جانب ثقافته وتعليمه، وفي الخطوة القبل الأخيرة ستكون إدراك لأفكار عقلية جديدة، حيث أن صعود السلم يؤدي إلى مزيد من التجريد والتعميم، فيقودنا إلى حب القوانين وبعدها حب المعرفة، ومن خلال ذلك نصل إلى الخطوة الأخيرة وهي حب الجمال الذي هو الشكل الحقيقي للحب. أن حب الجمال هو جوهر ونهاية هذا العلاقة الأفلاطونية. والجمال مفهوم عام وليس الجمال الشخصي، والمعنى الواسع للجمال جوهره الجمال المثالي الخالد، والذي هو يمثل كل الأشياء الجميلة. وفي النهاية يمكننا التعرف على معادلة أفلاطون، والتي هي: الحقيقة=الخير=الجمال. باختصار، الحب الأفلاطوني الأصيل، يلهم الشخص الجميل أو الرائع العقل والروح ويوجه انتباه الشخص الآخر إلى الأشياء الروحية. وبالرغم من ذلك فان أفلاطون يمتنع عن الدعوة إلى حب الله كما تروج له المسيحية والأديان الأخرى.
ويقصد(Ficino) بهذا المفهوم هو حب الله، وأن هذا الشغف لا يمكن أن تطفئه لمسة لجسد الحبيب أو مرأى لجسده، ولكن بهاء النور الإلهي هو القادر على ذلك. بالرغم من أفلاطون لم يشر إلى ذلك. كما أن أفلاطون لم يتحدث عن علاقة الحب بين الرجل والأنثى، وإنما تحدث عن علاقة حب بين رجل وولد صغير. علما بان سقراط عاش في فترة أنتشر فيها اللواط والشذوذ الجنسي. كما أن نلاحظ رغبة أفلاطون المكبوتة بالارتباط بصبي جميل قد عبر عنها بذلك الحوار الشيق والمفتوح والذي دار على لسان سقراط.
ولكن ينبغي لنا ملاحظة أن هذا الحب في شكله الأصلي(الحب الأفلاطوني) لا يخلو تماماً من الإثارة الجنسية. وفي الواقع، فإن الفلاسفة اليونانيين في تلك الأوقات يُشيرون إلى أن رغبة الرجل وإعجابه بجمال الصبي يمكن أن يكون أساسا للحب بين شخصين. ومع ذلك، اعتبر توجيه هذه الرغبة نحو المساعي الروحية والفكرية والعاطفية هو أنبل من السعي للتعبير عنها جنسياً. في ضوء ذلك فأن(amor platonicus) موجود، بغض النظر عن وجود الجنس من عدمه وطبيعة هذه العلاقة. هذا النوع من الحب يمكن أن يوجد بين أفراد الأسرة، والأزواج والزوجات، وبين الأصدقاء من الذكور والإناث. وقد ادخل السير وليام دافينانت William Davenant مصطلح الحب الأفلاطوني(platonic love) إلى انكلترا وذلك في عام 1630 وأصبح هذا المصطلح شائعا في المجتمع الانكليزي عام 1636 بعد أن نشر كتابه أحباء أفلاطونيون(Platonic Lovers).
 أفلاطون يرى أن الجنس هو جزء طبيعي من الحب، ولكن تلك الرغبة الجنسية ليست هي نهاية الحب، ويجب علينا أن نصل في نهاية الحب إلى النموذج الأعلى والمثالي وهو حب الجمال. كما أن معظم نظرية أفلاطون في الحب وضعت على نموذج للعلاقة بين رجلين، وهو بين المعلمين والطلاب الأصغر سنا. فالجاذبية للجنس الآخر مغروسة في أعماق النفس البشرية، ولدينا تصور أن هذه الجاذبية وراءها مجموعة من العواطف المعقدة والمتنوعة. كما يمكن وصف العلاقة الأفلاطونية باعتبارها علاقة حب غير جنسية بين شخصين مختلفي الجنس. وهناك الكثيرين من الذين يعتقدون بأن العلاقة الأفلاطونية يقصد بها فقط مفهوم الحب بدون جنس. ولنكون أكثر دقة، يمكن القول أنه نوع فريد من العلاقات بين الذكور والإناث حيث تتمركز مشاعر الحب على جمال الروحي أو العقلي للشخص بدلا من التمركز على جاذبية الجنسية، ويكون الجنس وسيلة للسمو بالذات الإنسانية لكل من الشريكين والاندماج والإتلاف معا وليس غاية بحد ذاتها. وهناك الكثير من الناس لديهم نزعة للسخرية من العلاقة الأفلاطونية مع وجود شك بنواياها. أن معظم هؤلاء لا يمكن أن تتقبل حقيقة وجود علاقة بين رجل وامرأة ويمكن لها أن تزدهر دون أي وجود المشاعر الجنسية. وهذا الشك والسخرية له ما يبرره إلى حد ما، لأن في الكثير من الأوقات، ينظر إلى العلاقات أفلاطونية وهي تتطور إلى علاقة رومانسية بحيث تتضمن الكثير من العلاقات الجنسية المخفية. الحب الأفلاطوني هو ستار جيد لإخفاء العلاقات الجنسية بين الشريكين. هذا النوع من العلاقات يمكن لها أن تعيش وتزدهر حينما يبدأ الشريكين، بفقدان القدرة الجنسية أي حينما يتقدم بهما العمر. في هذه الحالة، لا شيء يمكن أن يجمعهما سوى ذلك الرابط من العلاقة التي يشوبها التقدير والاحترام والتفاني في إسعاد ومساعدة الشريك. فالحب الأفلاطوني ليس عملية تجاذب بين جسمين صلبين فاقدين للحياة والمشاعر والرغبات، انه انجذاب كائنين فردين من نوعهما يحملان أغرب الرغبات والمشاعر والأحاسيس والنزعات والنزوات والغرائز.
يقول Osho–Krishna Deva الحب ببساطة هو الحب، فهو لا يمكن أن يكون أفلاطوني ولا هيغلي ولا كانطي، أن الحب الأفلاطوني اسم آخر للشذوذ الجنسي. ويبدو أن أفلاطون كان الشخص الأول الذي آمن وأعترف بهذا الشذوذ. ويبدو أن هناك الكثيرين زاولوه أمامه، لأنه كان النصير الأول له.
وفي الحقيقة كانت الفكرة اليونانية الكامنة وراء الجمال ليس الجمال الأنثوي، ولكن الجمال الذكوري. فان المتاحف التي تحتوي الفن اليوناني أو الآثار اليونانية المنتشرة في الكثير من الدول، تلاحظ في اغلبها أن الموديل أو النموذج العاري الذي تتضمنه اللوحة ليس الأنثى وإنما هو الذكر العاري. والحب في الحقيقة لا يرتبط بموضوع محدد. بل هو حالة من الوعي الذاتي فكل شيء حي حولك يبدأ بالاهتزاز، وتشعر بان الوجود يقرصك، وأنت تشعر بالسعادة، وهناك أشعاع وهالة من النور تحيط بك، وكل شيء حولك ينبض، فحينها ليس أمامك شيء سوى أن تسعى للتواصل مع الآخرين، فانك مثلما تحاول التواصل مع الإناث فانك يمكن أن تتواصل مع الذكور، أو مع العالم المادي الآخر من صخور أو نجوم أو أشجار أو أنهار. فحينما نتحدث عن الحب فإننا نتحدث عن حالة وليس مجرد علاقة، والعلاقة ليس إلا جانب ضئيل جدا منها.
فالعلاقات هي حجر الزاوية في التجربة الإنسانية، وبالتالي فإنه من المهم فهم أهمية العلاقة الشخصية الأفلاطونية. وعلى الرغم من أن لدينا روابط غير قابلة للإنكار مع العائلة، وغالبا ما تكون من خلال روابط أخرى مثل الصداقات والشراكات الأخرى التي نحصل عليها حقا لتحديد ما نحن عليه أمام الناس وتحسين حياتنا في مجموعة متنوعة من الطرق المختلفة. ولكن يمكن أن يكون من الصعب تمييز الفرق بين أنواع معينة من علاقات، فهناك بعض الخصائص يمكن ملاحظتها والاطلاع عليها، والتي من شأنها أن توضح لك هذا النوع من العلاقات التي أنت فيها أو التي هي في بداية التطوير، وكل هذا يمكن أن يعتمد وإلى حد كبير على الطرق التي نختارها للتواصل.
الحب الأفلاطوني يعتمد على التفاعلات في الاتصالات المفتوحة بين الطرفين. على الرغم من انه كانت هناك مشاكل بارزة وعلى مر العصور نظرا لسوء الفهم، ولكن ما دامت نوايا الجميع واضحة فأن سوء الفهم هذا لا حاجة له أن ينشأ. لذا أجعل خيارك في التعبير عن نفسك بطريقة واضحة ومباشرة للقضاء على احتمال حدوث سوء الفهم هذا.
كما يمكننا تعريف العلاقات أفلاطونية ببساطة من خلال الفرق في لغة الجسد التي يتم استخدامها. فقد وضعت حدود مادية من البداية، وأنه من السهل قراءة ما بين السطور عندما يتعلق الأمر بالمسافة الفعلية التي وضعها الناس بأنفسهم فيما بينهم. ولمعرفة ما يجري في الواقع، فأن لغة الجسد هي العنصر أساسي وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع أنواع مختلفة من الناس، ونحن بطبيعة الحال نتكيف تبعا للظروف. فالاتصالات هي عامل رئيسي أيضا، وعلى مقدار الوقت الذي يقضونه معا سيكون لها أيضا معنى خاص بهم. وكذلك من خلال الطريقة التي يتحدثون مع بعضهم البعض سواء وجها لوجه أو استخدام الهاتف أو البريد الإلكتروني. وخطوط الاتصال الخاصة بهم سوف تكون مفتوحا بما يكفي للسماح للخلاف دون الإضرار تماما بهذا التفاعل بينهما.
وثمة خاصية في نهاية المطاف تعطي معنى لهذه العلاقة. وهذا ينطبق أيضا على العلاقة الأفلاطونية. فنحن بحاجة إلى التواصل مع غيرنا من البشر لإعطاء حياتنا معنى، وهذا هو أحد السبل التي يمكن من خلالها إثراء حياتنا.
ولكن هناك سؤال طالما يتردد وهو:
هل يمكن أن تنشأ وتزدهر العلاقة الأفلاطونية بين رجل وامرأة ؟
والإجابة، هي:نعم، يمكن ذلك.
 ولكن ما الذي يجعل هذه الفكرة غير معقولة لدى البعض ؟
الإجابة: هو الافتراض الذي يشير إلى أن الجنس هو واقع لا مفر منه بين الجنسين، حتى لو أن الانجذاب الجنسي ليس هو الأساس في بداية العلاقة، ولكن مع استمرا الرفقة وتبادل العواطف والمشاعر من الممكن أن تتوج في النهاية بعلاقة جنسية. هذه الافتراضات قد تكون صحيحة، نظرا لنزوع الإنسان إلى الحب، وهذا الحب قد لا يكون بالضرورة جنسياً. ولكن، هناك العديد من الصداقات الأفلاطونية أصبح الجنس جزءا من المعادلة فيها. كما أن القاتل الحقيقي للعلاقة الأفلاطونية ليس الجنس كما يتصور البعض. ولكن القاتل هو القضايا الأخلاقية المعقدة التي تأتي معه. لأن هؤلاء الأشخاص قد جاءوا من المجتمع، وكل المجتمعات لها معاييرها الصارمة للقبول والرفض. فندما تقاس أفعال الفرد في ضوء المسطرة الأخلاقية. فان العلاقة الأفلاطونية تلك والتي قد توجت بالجنس، قد أدت إلى خيبة أمل كبيرة، وخيبة الأمل تلك تؤدي إلى فقدان الثقة، وبدون الثقة لا توجد علاقة على قيد الحياة، أن كانت أفلاطونية أو رومانسية. فمن الواضح، أن الحب الأفلاطوني هو علاقة حب من نوعا خاص، لأنه يسمح للأشخاص التواصل على الصعيدين الروحي والعاطفي، في حين الحب الرومانسي في بعض الأحيان قد لا يصل إليها أبداً. هذا الشيء يفسر لنا، لماذا بعض العلاقات تكون أكثر ديمومة وخاصة تلك التي وجدت بين الأصدقاء وأفراد الأسرة الحقيقية، وبين العشاق الذين بدأت علاقتهم أولاً كأصدقاء ثم تطور إلى حب. لذا فان العلاقة الأفلاطونية حينما تتم رعايتها بشكل صحيح، يمكن أن تكون واحدة من أعظم مصادر المتعة في الحياة.
أن العشاق الأفلاطونيين ليسوا متسرعين، هم أكثر العشاق فكرا وعاطفة من عشاق الحب الرومانسي. هذا النوع من الحب، ومثل أي علاقات أخرى، ويقوم بالكامل على أساس من المتعة المستمدة من الشراكة بين الأشخاص المختلفين جنسيا(ذكر وأنثى). والذي يهيمن على هذه العلاقة مجموعة من التخيلات والأفكار والأحلام، والحب الجنسي ليس ظاهريا ولكنه يعيش في دواخل وكينونات هذين الشخصين المتحابين. ففي الحب العذري أو الأفلاطوني الشخص يحلم بشريكه باعتباره ضمن أفكاره الخيالية، إلى جانب استحداث مشاعر الحب والحميمة وبطريقة مبتكرة وفريدة من نوعها. فالحب الأفلاطوني هو ملهم الفنانين والشعراء ومنذُ القدم.
الحب الأفلاطوني هو نوع من الحب المشترك بين الأصدقاء من أي من الجنسين. وعادة، يمكن أن وصف "الحب الأفلاطوني" بوجود علاقة وثيقة مشتركة بين أصدقاء من الجنسين(ذكور وإناث)، هذا النوع من الحب صعب زواله بالرغم من أن الشائع بأنها علاقة غير جنسية، ولكنها عبارة عن صداقة عميقة بين شخصين من جنسين مختلفين. وبالرغم من أن هذا الحب يقمع التوجهات الجنسية ولكن هناك الكثير من أشكال الانجذاب والرغبات مخفية في عمق هذا النوع من الحب، وتحت عناوين مختلفة مثل: الصداقة والعفة والطاهرة والنقاء ...الخ. أن حبنا وصداقتنا للشخص من الجنس الآخر في الحب الأفلاطوني يجب أن تبدأ على شرط أن هذه العلاقة تستند تماما على الحب والإعجاب العقلي لبعضهما البعض وليس الإعجاب الجسدي، أي حب ما فوق الجاذبية الجسدية. والكثير من الناس لديها اعتقاد جازم بأنه ليس هناك نوعا من هذه العلاقة في الوقت الحاضر. وطالما صور هؤلاء الأفراد الذين يرتبطون مع بعضهم بهذا الرابط الأفلاطوني بأنهم أغبياء وطوباويين.
ومؤخرا نشر مؤرخ العلوم جاي كينيدي Jay Kennedy، بحثا حاول أن يثبت به بان أفلاطون لم يكن محتشما كما كان يعتقد طويلا بان الحب الأفلاطوني الذي كان يدعوا إليه هو حب بدون جنس. بل هو كان بعيدا كل البعد عن ذلك. فمن خلال فك وتحليل لعدد من الرموز توصل هذا العالم إلى حقيقة مفادها أن أفلاطون لم يكن مدافعا عن الحب الأفلاطوني بشكل كامل وإنما كان في منتصف الطريق. فان ذلك بالنسبة له يعني الاعتدال في الأخلاق. فقد دعا الناس إلى تجنب كل من الاختلاط أو الامتناع عن ممارسة الجنس. بالنسبة له، العاطفة المثيرة(erotic passion) كانت القوة الروحية التي تساعدنا في العثور على أنفسنا الحقيقية داخل أعمق الروابط البشرية. وإيروس، أو الحب، هو القوة الخلاقة التي ألهمت الفن والأدب والعلوم. واكتشف (جاي كينيدي) رمزا داخل نصوص أفلاطون من خلال نظرة غير متوقعة أدت به إلى أن يدرك أن الموسيقى اليونانية هي مفتاح تفسير كتابات هذا الفيلسوف. فمن خلال البناء الموسيقي لحوارات أفلاطون كشفت التقارير عن المذاهب الخفية، حتى الآن، بما في ذلك تلك التي موجودة في الندوة، وهو النص الفلسفي المعني بالحب.
ويقول الدكتور كينيدي: أفلاطون يروي قصة لإظهار أن الحب الحقيقي يهدف إلى الروح وليس الجسد، يعتقد الكثير انه كان معاديا للجنس وأسطورة الحب الأفلاطوني انتشرت على نطاق واسع. ولكن أفلاطون احتفل أيضا بالإغراء والشذوذ الجنسي، ويتفق مع الرأي القائل بأن الأجساد العارية اليونانية كانت جميلة، لذلك المؤرخون يناقشون وبشكل مطول وجهات النظر هذه.
وقد أعدم سقراط في وقت لاحق لإفساد أخلاق الشباب والدكتور كينيدي قد أظهر الآن أن أفلاطون، وخوفا من الاضطهاد أيضاً، خبأ فلسفته الخاصة باستخدام نظام من الرموز الموسيقية. قسم أفلاطون كتاباته إلى (12) جزء، ودخل رمزا يؤشر ملاحظة موسيقية في كل نغمة ثانية عشر. ويوضح (جاي كينيدي): ففي النغمات المتناغم أو المنسجمة وضعت الأفكار الايجابية مثل الحب والخير، في حين انه في النغمات النشاز وضع الأفكار السلبية مثل الشجار، والرفض والشر. هذه الأنماط الموسيقية المخفية، هي التي تخبرنا عن الشخصيات والأفكار التي كان يفضلها أفلاطون.
 في الندوة لعب أفلاطون بشكل كبيرة على الحب والجنس. فهناك محاولات رخيصة لاستبدال الجنس بالربح أو تفضليه، يجلس فوق النغمات النشاز في السلم الموسيقي ليظهر رفض أفلاطون. لكن المقاطع المثيرة حول العاطفة التي ولدت من الحب ومدى الالتزام الروح يجلس على رأس بعض النغمات الأكثر تناسقا، وهذا يعني انه قبل ممارسة الجنس كجزء من الحب الحقيقي. كما أن هناك أيضا عددا من الرموز التي تكشف عن أن أفلاطون رفض كل من المجون والزهد. وهذا يظهر بان لأفلاطون ميزة هي تفادي النهايات وان يكون موقفه وسطا.
أن مصطلح الحب الأفلاطوني" نشأت قبل 500 سنة فقط. أي في عصر النهضة، وتأجيل الجنس كان خطوة مهمة نحو تحقيق المساواة للمرأة، وملكة انكلترا تكفلت بنشر هذه الفكرة. في وقت كانت النساء يعاملن كعبيد أو مكائن للتفريغ والرضاعة. ويضيف (جاي كنيدي): فالحب الأفلاطوني يعني أن تطول العلاقات الغرامية، وأن تتأخر أخطار الولادة. في بداية العصر الحديث، والمرأة تستخدم بذكاء سمعة أفلاطون بوصفه عبقريا، للوصول إلى عقول الرجال وجذب انتباههم وإثارة اهتمامهم. وكان الحب الأفلاطوني حجة لعدم الاستقرار، وتمكين المرأة من المشاركة في الفنون والثقافة في البلاط الملكي. أن أهمية أفلاطون لا يمكن المبالغة بها، لكنه حول الإنسانية من مجتمع محارب إلى مجتمع محب للحكمة.

ولكن يصادفنا سؤال وهو: ما علاقة الحب العذري بالحب الأفلاطوني ؟
 والإجابة: فيما يتعلق بالحب العذري الذي انتشر في الجزيرة العربية، فهو نوع من الحب الأفلاطوني. وبالرغم من انه لم يسبق الحب الأفلاطوني بالظهور، إلا انه سبق الحب الأفلاطوني الذي يمارسه الغرب ومنذُ اكتشاف الوثائق التي تتعلق بالحب الأفلاطوني في عام(1423). وهذا النوع من الحب هو نوعين فهناك حب علوي أشبه ما يكون بتجربة الصوفية. حيث يستغرق فيه العاشق استغراقا خالصا، وهو استغراق شبيه باستغراق رابعة العدويه أو الحلاج وغيرهما في حب الذات الإلهية وكمالها. أما الثاني وهو الذي نقصده هنا هو حب العشاق العذريين أمثال قيس الذي سمية بمجنون ليلي، وجميل وبثينة، وقيس بن ذريح، وغيرهم كثيرين. فالحب العذري وهو نسبة إلى (بني عذره) وهي إحدى قبائل قضاعة، والتي كانت تنتشر في شمال الحجاز وتمتد عشائرها وبطونها من المدينة إلى الشام. ويتميز هذا الشعر بالغزل الصافي الرقيق، واضح البراءة والطهارة، والمتسامي عن النوازع المادية الجسدية. فهو شعراً عفيفاً نبيلاً فيه الحزن واللوعة. فكان لتأثير البيئة الصحراوية أثراً واضحاً في هذا النوع من الشعر إضافة إلى القيم الإسلامية التي كانت سائدة بين أوساط الناس والمتمسكين بها. فكان الغزل العفيف الذي يعبر عن أسمى العواطف التي يفيض بها الفكر الإنساني هو ما يجسد الحب العذري ويعبر عنه. إلى جانب مشاعر الحزن ولذع الحرمان والفراق حينما كان المحب يتهيب من الاقتراب لمن يحب، فمن يحبه هو كائن ملائكي قدسي لا يجوز لمسه حتى ولو في الأحلام.
والحب العذري يشبه الحب الأفلاطوني. حيث كان أفلاطون يؤمن من أن أفراد كل نوع في الموجودات قد فاض عن حقيقة مثالية كلية مجردة، لها وجودها المطلق. وكل فرد من أفرادها يقترب منها ويبتعد بنسبة ما يستوفي من خصالها وكمالها. فالنفوس الإنسانية ترجع إلى نفس عليا واحدة، هي مثالها المطلق الذي انفصلت عنه. وهي لا تزال تحن إليه. فإذا رأت ظلاله في شخص أقبلت عليه واتصلت به فكان الحب. وهو ما اشرنا له في أسطورةAristophanes. بالرغم من اختلاف التصور الإسلامي عن الحقيقة الجوهرية لموضوع عملية الخلق من وجهة نظر الفلسفة اليونانية القديمة. وخاصة أفلاطون.
وابن حزم يردد فكرة أفلاطون في أن النفوس الإنسانية ترجع في أصلها ونشأتها إلى نفس عليا واحدة توزعت إلى أجزاء في نفوس الناس. وهذه الأجزاء تتصل فيكون الحب وتنفصل فيكون البغض. فالحب والبغض في المخلوقات هو عمليتي اتصال وانفصال بين النفوس( وفي هذا الرأي يعود إلى (إمبيدوكليس) في فكرته عن الصراع والحب القوتين اللتين تحكمان الوجود.
عندما تستقر النفس ويطيب لها العيش، فإنها تنزع نحو التعبير عن وجدانها ومشاعرها. ويقول ابن حزمة الأندلسي: الحب اتصال بين أجزاء النفوس المعشوقة في هذه الخلقة في أصل عنصرها الرفيع. أما ابن سينا يقول الحب هو نزوح إلى الكمال المنبعث عن الكمال المحض. وهو في النوعين، جسدي ينشأ عن القوة الشهوانية، وهو الذي يستعان به على حفظ النوع. وعقلي ينشأ من القوة النطقية لغرض منها التقرب من المعشوق الأول، وهذا الحب الثاني يطابق الحب الأفلاطوني مطابقة بينة.
الحب العذري والذي يتحول في بعض جوانبه إلى ضرب من التصوف المجرد من قيود المادة والحسية. هو حب ليس فيه ألم ولا جناح ولا فسوق ولا حرج ولا خيانة ولا عار ولا خطيئة ولا ريبة. إنما فيه الوفاء والصفاء والعفاف والطهر والنقاء. هو الحب الحقيقي الذي عايشه العرب في عصورهم الأولى. وفيه يحفظ المحبين كرامتهم مهما ألح عليهم هذا الحب أو الشوق ومهما اصطلوا بنيرانه واحتملوا من خطوبه. وفيه تحتفظ الفتاة بجلالها ووقارها مع رقة العواطف ورفاهة المشاعر مع الحنان والإشفاق، ومع الشوق والصبابة والهيام. ولكن هل حقا هذا ما كان يحدث في الحب العذري.
العاشق العذري كان يرضى من حبيبته بالقليل، وأحيانا بالقليل جداً، بل انه كان يرضى بالعدم. وأن هذا المحب يعشق ظلال ذاته من خلال تعلقه بالحب أو العلاقة التي تربطه بالمحبوب وليس المحبوب ذاته، فهو نرجسي لا يرى في هذه العلاقة سوى ما الجزء الذي ينظر له الناس من العلاقة وما يرتبط به وينعكس عليه، ليكون ذلك صورة معكوسة عن ذاته وليس ذاته الحقيقية. فذاته الحقيقية هي كأي ذات إنسانية تحب وتعشق العاطفة واللذة، ولكنه يعيش الصورة التي يرغب بان يراها الناس عليه والتي تتميز بالعفة والطهر. فنحن كلنا أو بالأحرى جميع الجنس البشري يعيش بين نقيضين ظاهري لتراه الناس وخفي ما يريده هو. فكثيرا ما يكون السلوك الظاهر مخادع لا يكشف عن الذات الحقيقة للفرد. فتراه يحلم بنفسه ويشبع حاجاته من خلال محبوبه الذي هو وسيلة وليس غاية بذاته. فتراه ينظم الأشعار ليضفي أفضل وأجمل الخصال على من يحب، فهو ينسج عالما من الخيال يعيشه في أحلام يقظته.
والعاشق العذري يركز أحاسيسه على محبوبة واحدة فريدة ويؤمل النفس دوماً بالحصول عليها ولكنه يصطنع في الوقت ذاته جميع العراقيل الممكنة ليحول بينه وبين امتلاكها، لأنه يعلم بان العاشق متى ما ظفر بالمعشوقة مرة واحدة نقص تسعة أعشار عشقه. فالعشاق العذريون يتبجحون بالعفة والطهر والحياء، ليحققوا غاياتهم في تكوين الصورة التي يريدون من الناس أن يعرفوهم عليها. الصورة المقبولة اجتماعيا ودينيا وخلقيا، ولكن في ساعات الفراق أو البعد فهم لا يقيمون وزنا لها، أو في حالات الانفراد أو الخلوة بمن يحبون. أذن كيف هم عذريون وهم يسعون في علاقاتهم مع من يحبون للخروج على الأعراف والتقاليد ويستهزئون بالقيم والروابط الزوجية. أن سلوكهم هذا وفي ضوء الشرع والعرف زنا وفجور. وقصائدهم الكثيرة المثيرة تدل على ذلك.
هؤلاء يمارسون هذا السلوك الذي يوصف بالعذري أو الأفلاطوني ويلجأون إليه، وذلك بسبب عدد من الاحتمالات والأسباب والتي يمكن في ضوءها تفسير سلوكهم هذا، وهي:
1. حينما يكون الحبيب الشريك هدف أسمى أو صعب لا يمكن الوصول إليه.
2. حينما يشعر المحبوب بالمشاعر الدونية وبمشاعر النقص أمام الحبيب.
3. حينما يكون احد الطرفين قد تربى تربية قاسية(وخاصة المحبوب)فيها الكثير من النواهي والمحرمات.
4. حينما يكون تعلق المحبوب بأحد الوالدين تعلق مرضي غير طبيعي، فتكون المحبوبة هي صورة الأم التي يفتقدها المحبوب أو إحدى القريبات المحرمات.
5. في ضوء الحالات السابقة المحبوب يشتهي الحبيب(الشريك) جنسيا ولكنه لا يستطيع تحقيق ذلك لوجود العديد من الأسباب والموانع، لذا يلجأ إلى العمليات الأولية لإشباع تلك الحاجات. وقد يكون ذلك من خلال الأحلام والخيالات أو أي سلوك آخر وقد يكون عبر الشعر أو الأدب أو الفن.
6. حينما يتماهى المحبوب بالحبيب كل ذلك يزيد من قدسية الحبيب، حيث أنه يشعر أكثر بالذنب والدونية، نتيجة للخيالات والأحلام وأحلام اليقظة التي تشارك بها مع ذلك الحبيب.
7. الخوف الذي يشعر به المحبوب من فقدان الحبيب أو هجره. أو خوفاً من الأحكام الخلقية والدينية التي تربى عليها الطرفين، والتي استخدلت ضمن الأنا العليا أو الضمير الخلقي لكل منهما. إلى جانب الخوف من المجتمع والسلطة الدينية التي تحكم المجتمع أو تتحكم بذات الفرد من خلال اللاوعي.
ولا يغيب عن تفكيرنا، هناك الكثير من الانحرافات الجنسية التي تتركز على أجزاء من جسد الشريك أو على ممتلكاته، والتي من خلالها يصل الشخص المنحرف إلى نشوته. أو حتى من خلال الألم وتعذيب الذات. كل هذه أنواع من النشوة واللذة يمارسها بعض الأفراد ويشبعون من خلالها نشوتهم ورغبتهم الجنسية.
وقد أشار جلال صادق العظم إلى بعض الانتقادات إلى هذا النوع من الحب(العذري) في كتابه (في الحب العذري). والتي هي:
1. العذري يرفض العلاقات العاطفية الدائمة المستقرة بين العاشقين خوفا من أن يؤدي الزواج إلى اضمحلال العشق وخفوته.
2. العاشق العذري في الحقيقة لا يحب شخص حبيبته بقدر ما يحب عشقه هو لها. لذا نراه يفضل البعد والفراق لكي يتلذذ به بينه وبين نفسه، بأعنف المشاعر وأعذب الأحاسيس ولان يستمتع بحالات الألم والتمزق والقلق والسقم والبلاء والتي تطرأ عليه وتنزل به من جراء بعده وحرمانه وفي حالات اللقاء فان حبه يضعف ويخبو.
3. الحب العذري يعبر عن حالة مرضية متغلغلة في نفس العاشق وتتبين من ولعه بسقمه وحرمانه وتلذذه بألمه وشقائه وتعاسته. فهو يميل إلى التعذيب النفس وبدون مبرر واضح وغاية محددة وإنما لمجرد الاستمتاع والتلذذ بالألم والعذاب باعتبارهما جزءا لا يتجزأ من عشق التجربة الغرامية العذرية وشدة انفعالاتها. يقول ابن حزم الأندلسي بهذا الصدد في كتابه طوق الحمامة: ( والحب أعزك الله، داء عياء.. ومقام مستلذ، وعليه وعلة مشتهاة، لا يرد سليمها البرء، ولا يتمنى عليلها الإفاقة).
4. الحب العذري شهواني في أصله نرجسي في موضوعه ومنحاه. انه نرجسي لان اهتمام العاشق وهيامه يتعلق في الواقع على ذاته ومشاعره وأحاسيسه وخيباته لا على شخص حبيبته. وبذلك فهو ينزع إلى المبالغة في تصوير حبه ومشاعره. وهو شهواني إلى أقصى الحدود لأنه قائم على منع الرغبة في امتلاك المحبوب منعاً مستمراً والتفنن في تقريب ساعة الاكتفاء والإشباع تارة وإبعادها تارة أخرى. حتى تضطرم نار العشق فتذيب عقله وتتلف جسده. انه ابعد ما يكون عن التغلب على شهوته والسيطرة عليها. انه يراعي هذه الشهوة ويعتني بها ويؤججها. انه يستمتع بأعباء شهوته للحبيب على هذا الحال لا تستقر ولا تهدأ. يدغدغها ويداعبها ويؤجلها بإشباع ويحرمها منه كلما شعر إنها على وشك الظفر به.
وأخيرا فان أفلاطون وسيجموند فرويد يتشابهان في نظرتهما إلى اندفاعات (Eros) فهو المكون المركزي في نظرتهما إلى علم النفس. كما إنهما يدعوان إلى السيطرة الصحيحة على الرغبة هي المهمة المركزية في حياة الإنسان. وبذلك فهو يصبح محبا للحكمة والفضيلة في نظر أفلاطون في حين هي عملية التسامي للوصول إلى العمل الإبداعي الحضاري من وجهة نظر (فرويد). فالحب الإيروسي الجنسي يمكن أن يتحول إلى حب إنساني حضاري آخر من حب الفن والعلم أو أشكال أخرى من الحضارة، فمن خلال التسامي بالغريزة الجنسية يمكننا توسيع علاقتنا لنشمل الإنسانية كلها بذلك الشعور ويمكننا أن نتحول من حب الأشياء المادية إلى حب الأفكار والقيم والمثل النبيلة. هو ذلك ما يدعى بالحب الأفلاطوني أو العذري. ولكنه لا يستبعد المشاعر اللذة والنشوة حتى ولو في ممارساتها البسيطة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق